((خبر عاجل: وفاة الشاعر الفلسطيني محمود درويش عن 67 عاما)) لا أدري لما تذكرت في لحظة قراءتي للنبأ ما كتبه الأديب مريد البرغوثي في روايته "رأيت رام الله" حين قال أنه منذ الهزيمة في حزيران 1967 لم يعد ممكنا له أن يرى رقم الـ67 هذا إلا مرتبطا بالهزيمة، يراه في جزء من أرقام الهاتف، على تذكرة سينما أو مسرح، أو رقم رحلة جوية على اللوحة الإلكترونية في أي مطار من مطارات الدنيا!! فهو رقم تجمد عند شكله الصحراوي الأول،شكله الرهيب، كأنه ليس رقما، بل تمثالا من الشمع لرقم، تمثالا من الطباشير الذي لا يمحى عند اللوح الأسود في قاعة سوداء!! حقيقة أصبح هذا الرقم البائس يؤرقني أيضا، لا أدري هل هي محض صدفة أم أن الأرقام باتت تتآمر علينا أيضا!! وحتى لا أتهم بأنني من المهووسين بنظرية المؤامرة ( وهي تهمة في زمننا هذا) سأدع للأيام الإجابة عن هذا السؤال! أما السواد.. فعاد ليخيم من جديد، لكنه لم يكن مكتملا حتى اللحظة الأخيرة، فما بين تضارب الأنباء ونفي جهة وتأكيد جهة ... أبى الشاعر إلا أن يكون موته قصيدة !
وقد قال للموت في "جداريته":
أيها الموت انتظرني خارج الأرض،
انتظرني في بلادك، ريثما أنهي
رحل درويش بعيدا عن قريته "البروة" في قضاء عكا، حيث ولد عام 1942. وكان الابن الثاني لعائلة تتكون من خمسة أبناء وثلاث بنات. وفي السابعة من عمره لجأ وأسرته إلى لبنان بعد أن دمرت واحتلت العصابات الصهيونية قريته. لكن ما لبث أن عاد بعد عام مع أفراد من أسرته إلى فلسطين متسللا ليجد قرية "البروة" وقد دمرت بالكامل ليصبح لاجئا في وطنه. أقام في قرية دير الأسد ثم في قرية الجديدة القريبة من قريته "البروة". وبعد إنهائه لتعليمه الثانوي في قرية كفر ياسيف انضم درويش إلى الحزب الشيوعي في "إسرائيل"، وانخرط في كتابة الشعر والمقالات في جرائد مثل "الاتحاد" ومجلات مثل "الجديد". وقد اعتقل أكثر من مرة منذ عام 1961 بتهم تتعلق بأقواله ونشاطاته السياسية.
وقد حقق ديوان "أوراق الزيتون" (1964) وديوان "عاشق من فلسطين" (1966) شهرة واسعة وكان يبلغ الـ22 من العمر، عرف بعدها بشاعر المقاومة. وقد منع من الدراسات العليا في "إسرائيل"، فذهب لدراسة الاقتصاد السياسي في موسكو عام 1970 لكنه غادرها بعد عام بعد أن اكتشف بأن موسكو (فاتيكان الشيوعية وقتها) لم تكن الجنة. وفي عام 1972 نزح درويش إلى مصر والتحق بصحيفة "الأهرام" ومنها إلى لبنان حيث عمل في مؤسسات النشر والدراسات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية ومنع على إثر ذلك من العودة لفلسطين منعا استمر لـ26 عاما.
وفي بيروت ترأس تحرير مجلة "شؤون فلسطينية" وبحلول عام 1977 بيع من دواوينه العربية أكثر من مليون نسخة، وفي العام ذاته تزوج برنا قباني (ابنة أخ الشاعر نزار قباني) في واشنطن واستمر زواجهما لثلاثة أعوام. وفي عام 1981 أسس درويش مجلة "الكرمل"، وترك بيروت بعدها بعام بعد أن غزا الجيش الإسرائيلي لبنان ليصبح منفيا متنقلا بين سوريا وقبرص والقاهرة وتونس إلى باريس.
وفي عام 1984 أصيب بنوبة قلبية وأجريت له عملية أنقذت حياته تلتها عملية أخرى عام 1998. وقد تزوج ثانية في منتصف الثمانينات من مترجمة مصرية إلا أن زواجهما لم يدم لأكثر من عام. وقد انتخب في عام 1987 للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وكتب إعلان الجزائر (إعلان الدولة الفلسطينية) عام 1988. وقد استقال درويش من اللجنة التنفيذية في اليوم التالي لتوقيع اتفاقية أوسلو عام 1993. وفي عام 1994 عاد إلى فلسطين وأقام في رام الله.
وقد نال محمود درويش جوائز عالمية عدة تكريما لشعره، ابرزها جائزة لوتس العام 1969 وجائزة البحر المتوسط العام 1980 ودرع الثورة الفلسطينية العام 1981 وجائزة ابن سينا في الاتحاد السوفياتي العام 1982 وجائزة لينين العام 1983 وجائزة العويس الثقافية مناصفة مع الشاعر السوري ادونيس العام 2004.وكانت آخر جوائزه جائزة الاركانة العالمية للشعر التي قدمها اليه بيت الشعر في المغرب.
مسيرة درويش الشعرية بدأت بالوطنية وانتهت بأبعاد إنسانية خالصة متجسدة في أسئلة. فمن "سجل أنا عربي" و "عاشق من فلسطين" و"حبيبتي تنهض من نومها" مرورا بـ"طباق" و "محاولة رقم 7" و"أحبك أو لا أحبك" "مديح الظل العالي" و "حالة حصار" و "لماذا تركت الحصان وحيدا" والـ"جدارية" و"كزهر اللوز أو أبعد" وصولا إلى إصداره الأخير "أثر الفراشة" أكسب قصيدة التفعيلة شرعية لا يمكن تجاهلها أو إنكار أوجه الإبداع فيها.
كانت الحبيبة فيها الوطن/الأنثى، قضيته فلسطين والهوية وهي قضية الإنسان بغض النظر عن الزمان والمكان. ومع مرور السنين تغيرت نبرته السياسية الصارخة إلى طرح رؤيته الفلسفية لشتى المواقف الإنسانية في ظل الاحتلال. أصبح في سنواته الأخيرة يتحدث عن "الفرد" مأساة الإنسان يأسه وهويته حياته وموته. أصبح "الذاتي" طريقته للتعبير عن المأساة الجمعية للشعب.
في عام 1998 صدر ديوان "سرير الغريبة" الذي كان على حد قول درويش مكرس للحب كليا، فبرأيه القدرة على الحب شكل من أشكال المقاومة وقال: "إذا كتبت قصائد حب فإنني أقاوم الظروف التي لا تسمح لي بكتابة قصائد الحب". وفي شهر آذار عام 2000 ثار نواب الكنيست الإسرائيلي بعد إعلان وزير التربية الإسرائيلي يوسي ساريد أن خمسا من قصائد درويش ستكون جزء من منهج مدرسي متعدد الثقافات، مما دفع عضو الكنيست اليميني المتطرف بني آلون للقول "فقط مجتمع يريد الانتحار يضع شعر درويش في منهاجه الدراسي".
يقول محمود درويش مخاطبا عدوه :
(إلى قاتل) لو تأملت وجه الضحية
وفكرت، كنت تذكرت أمك في غرفة الغاز،
كنت تحررت من حكمة البندقية
وغيرت رأيك، ما هكذا تستعاد الهوية!
إلا أن الكثير من قراء درويش لم يتلقوا التغيير الذي طرأ على أعماله بصدر رحب واتهمه البعض بالتخلي عن القضية. وقد قال درويش في رام الله أثناء حصارها : " أنتظر اللحظة التي أستطيع فيها القول: إلى الجحيم بفلسطين. ولكن ذاك لن يحصل قبل أن تصبح فلسطين حرة، لا أستطيع تحقيق حريتي الشخصية قبل حرية بلدي. عندما تكون حرة، أستطيع لعنها".
كثير من النقاد والقراء انتقدوا بشدة كتابته عن الحب والسلام وتغيير خطه الشعري بعد أن اشتهر بقصائد مثل عابرون في كلام عابر:
أيها المارون بين الكلمات العابرة
احملوا أسماءكم وانصرفوا
واسحبوا ساعاتكم من وقتنا ،و انصرفوا
وخذوا ما شئتم من زرقة البحر و رمل الذاكرة
و خذوا ما شئتم من صور، كي تعرفوا
أنكم لن تعرفوا
كيف يبني حجر من أرضنا سقف السماء
أيها المارون بين الكلمات العابرة
منكم السيف - ومنا دمنا
منكم الفولاذ والنار- ومنا لحمنا
منكم دبابة أخرى- ومنا حجر
منكم قنبلة الغاز - ومنا المطر
وعلينا ما عليكم من سماء وهواء
فخذوا حصتكم من دمنا وانصرفوا
وادخلوا حفل عشاء راقص .. و انصرفوا
وعلينا ، نحن ، أن نحرس ورد الشهداء
و علينا ، نحن، أن نحيا كما نحن نشاء
... وأحمد الزعتر:
جسدي هو الأسوار - فليأت الحصار
و أنا حدود النار - فليأت الحصار
و أنا أحاصركم
أحاصركم
و صدري باب كلّ الناس - فليأت الحصار
ويرى هؤلاء أنه لم يصل للعالمية بشعره الكوني التجريدي بل بقصائد المقاومة التي بدأ فيها مسيرته الشعرية. كما تعرض للنقد بسبب ما أشار إليه البعض من استهزائه بالذات الإلهية في بعض قصائده، وانتمائه للحزب الشيوعي الإسرائيلي، واستصدار إذناً إسرائيليا لإلقاء الشعر في أمسية عقدت في حيفا قبل عام.
في حديثه عن الموت وفي "لا تعتذر عما فعلت" وفي إصداره الأخير "أثر الفراشة" وعلى الرغم من الجدل التي أثارته أعماله الأخيرة، إلا أن قصائده الثورية النابضة بحب فلسطين مثل "سجل أنا عربي" وقصيدة "أمي" التي سطر فيها لوعات الشوق والحنين في صدر السجين لأمه وخبزها وقهوتها هي الباقية في الذاكرة...هي القصائد التي يكتبها الصغار في دفاترهم ويحفظونها عن ظهر قلب.
هذا هو محمود درويش الذي نعرفه! درويش الذي نعرفه لن يموت وإن كان في اللحد، بل تسكن روحه في كل قصيدة، يورطنا أكثر في أبجديته، وتشنقنا حروفه المغموسة بالألم ،لينتشلنا ثانية بنبرة التحدي والثورة. بارتقاء روحه، وصلت مسيرته إلى الختام، وأصبح من الممكن الحكم على تجربته بموضوعية وصدق ودون مبالغات! واستمعوا معي لهمسه حين يوصي في الـ"جدارية": " وضعوا على التابوت سبع سنابل خضراء إن وجدت، وبعض شقائق النعمان إن وجدت ! "
رحمه الله وأسكنه فسيح جناته
المشاهدة: 3386
التعليقات (1)
1. 13-12-2008 01:34
دائما ضعوا مثل هذه الاشياء ، فلربما تكون سبيلكم للنجاح، و اشكركم على جهودكم المبذولة