كانت نشأة الشيخ سعيد في بيت علم ودين ،حيث كان والده الشيخ أحمد من العلماء الذين تخرجوا من المدرسة الأحمدية في مدينة عكا، وهي مدرسة شرعية توازي الأزهر في مصر في تلك الفترة . و كان والده إماما و موظفا لدى الحكومة العثمانية وكان متنقلا من بلد إلى بلد حتى استقر في قرية الحدثة .
و عندما استعمرت بريطانيا فلسطين انتهت وظيفة الشيخ أحمد لدى الحكومة العثمانية للظروف التي ألمت بالأمة في تلك الفترة . وأصبح إماما لمسجد القرية على نفقة أهلها .
في هذه الأجواء نشأ الشيخ سعيد ، وبعد فقدان بصره لقي من والده عناية خاصة حيث بدأ بتحفيظه القران الكريم ، وكان يكلف الأخ الأكبر لسعيد - عبد الله - أن يحفظه ويقرأ له الحصة المطلوبة للحفظ ، ويعاقبه إن قصر في هذه المهمة.
ولما بلغ الشيخ سعيد التاسعة من عمره أتـمّ حفظ القران الكريم كاملا ، وأتمّ معه أخوه عبد الله كذلك ، وكان ذلك في عام 1936 م
وفي نفس هذا العام حصل الإضراب المشهور الذي استمر ستة شهور متتالية وعلى اثر ذلك الإضراب سجن والد الشيخ سعيد الشيخ أحمد في سجن عكا وهو سجن معروف في ذلك الوقت ،
وبعد خروج الشيخ أحمد من السجن أخذ ابنه سعيداً إلى القدس وسجله بمدرسة الأيتام الإسلامية ، حيث كان فيها قسم خاص للمكفوفين ، فتعلم الشيخ سعيد في تلك المدرسة وفي تلك الفترة توفي والده الشيخ أحمد رحمه الله تعالى .
و في تلك المدرسة تعلم الشيخ سعيد صنع الفراشي والمكانس والكراسي ، وتعلم كتابة بريل . ووصل الشيخ سعيد في هذه المدرسة للصف السادس الابتدائي ، حيث درس عدّة علوم من تاريخ وجغرافيا ولغة انجليزية …إلى غير ذلك.
وبعد تخرجه من المدرسة ، عمل في حيّ يهودي في القدس اسمه (محنا يـهوده ) حتى يكفل عيشه ، لكنه لم يستمر في ذلك حيث لاحظ على نفسه أنه بدأ ينسى حفظه للقران ،وكان والده يوصيه بأن يحرص على كتاب الله ولا ينساه . فترك هذه المهنة ووظّف في تلك الفترة مؤذنا في المسجد الأقصى على مئذنة باب الأسباط الشمالية ، وكان ذلك في عام 1941 م .
وفي نفس هذا العام في شهر رمضان حضر إلى المسجد الأقصى الشيخ منصور الشامي الدمنهوري والشيخ محمود محمود هاشم من مصر للقراءة فيه في شهر رمضان ، فالتقى بـهما الشيخ سعيد فوجهوه وشجعوه بأن يذهب إلى مصر لتعلم القران و القراءات.
رحلته إلى مصر لتعلّم القران والقراءات :
بعد ذلك سافر الشيخ سعيد إلى مصر ، حيث مرّ في طريقه على عدّة مدن ، بدأت من القدس إلى الخليل إلى غزة إلى خان يونس و كان ذلك بالباصات ، ومن خان يونس أراد أن يركب القطار للسفر لمصر لكنه كان لا يحمل جوازا للسفر ، ولذلك أنزل الشيخ سعيد من القطار على حدود رفح ، وفي منطقة رفح تعرف الشيخ على شخص مصري ضرير له خبرة بالطريق ، فسافر معه الشيخ سعيد إلى القاهرة مشيا على الأقدام من رفح إلى القنطرة وتقدر المسافة بـ 142 كم .
وكانت الرحلة بالمشي على السكة الحديدية للقطار … وفي أثناء الرحلة قبل العريش وعند نقطة تسمى نقطة الشيخ زويّد جاء القطار على هذه السكة فهرب الشيخ سعيد وصاحبه إلى جوانب السكة فوقعا وأصيب الشيخ سعيد ببعض الإصابات البسيطة ومرض على إثر ذلك أيضا ، فعند وصولهما للعريش مكثا أسبوعا في مسجدها حتى استرد عافيته وأكملا بعد ذلك رحلتهما إلى القنطرة. حيث وصلا لها في خلال أربعة عشر يوما ،ثم ركبا العبارة لعبور البحر ، وبعد هذا السفر الشاق وصلا إلى القاهرة . وكان ذلك عام 1942 م .
ثم دخل الشيخ سعيد الأزهر وسكن رواق الشام ، وكان شيخ الرواق الشيخ عيسى منّون ـ رحمه الله ـ حيث خصص للشيخ سعيد ستين قرشا في الشهر ورغيفين خبز وسكنا في السكن الداخلي للطلاب ،
وفي تلك الفترة سأل الشيخ سعيد عن مشايخ يعلمون القراءات فأرشد إلى شيخ في شبرا القاهرة في مسجد الخازندار ، وهو الشيخ محمد بن عبد النبي بن عبد اللطيف الرّهاوي .
وكان الشيخ سعيد يحضر حلقات العلم من الصباح إلى الظهر في الأزهر ، وبعد العصر يذهب إلى الشيخ الرهاوي ليقرأ عليه إلى بعد المغرب ، وبعد ذلك يرجع إلى رواق الشام في الأزهر . ودرس الشيخ سعيد في حلقات الأزهر متون العربية والفقه والحديث مثل الألفية والآجرومية وغير ذلك من العلوم الشرعية .
ومكث الشيخ سعيد في مصر أربع سنوات من عام1942 م الى1947م ، حيث قرأ على شيخه الرهاوي القراءات العشر الكبرى من طريق طيبة النشر لابن الجزري حفظا وشرحا وأجازه بذلك .وأجازه بعد ذلك في القراءات العشر الصغرى.
وفي فترة وجوده في مصر لم يلتق بغير شيخه الرهاوي من شيوخ القراءات ، لكنه بعد ختمه عند شيخه التقى وتعرف على الشيخ عامر بن السيد عثمان ، والشيخ عثمان سليمان مراد لكنه لم يقرأ عليهما .
رحلته إلى بيروت :
بعد ذلك رجع الشيخ سعيد إلى بلدته عنبتا بفلسطين ، لكنه لم يطب له المقام فيها ، فرحل إلى القدس فلم تتيسر له وظيفة فيها ، فخرج منها إلى عمان ومن عمان إلى دمشق.
وفي دمشق عمل الشيخ سعيد قارئا للقرآن . ومن المشايخ الذين قابلهم في دمشق ، القارئ الجامع محمد بن أحمد السطل اليافاوي ، والشيخ داوود النابلسي ، والشيخ محمد علي الحلبي الذي قرأ على الشيخ محمد الحلواني من طريق الشاطبية والدرة .
ومكث الشيخ سعيد قي دمشق شهرين فقط ، حيث رحل بعدها إلى بيروت ، وهناك التقى وتعرف إلى الشيخ توفيق خالد مفتي لبنان في زمنه . وكان الشيخ توفيق ـ رحمه الله ـ قد أكرم الشيخ سعيد كثيرا ، ووظفه في بيروت في أحد المساجد مؤذنا وإماما وقارئا للسورة في يوم الجمعة ومدرسا للقرآن الكريم .
وكان الشيخ سعيد صاحب صوت جميل ، وكان يذهب صباح كل جمعة للإفطار عند الشيخ توفيق هو والشيخ المقرئ محمد صلاح الدين كبّارة من طرابلس والشيخ عبد الرؤوف الكبّة ، حيث يقرؤون عنده القرآن من السابعة إلى الثامنة ، ثمّ يفطرون .
وفي فترة إقامته في بيروت في عام 1948 م تزوّج زواجه الأوّل ، ثمّ في عام 1957 م تزوّج للمرّة الثانية . وله من الأولاد أربعة ذكور و ثلاث إناث .
وفي فترة وجوده في لبنان التقى بشيخه الرّهاوي ، وقرأ عليه قراءة الإمام نافع من طريق الشاطبية ، على ما جاء في منظومتي الشيخ المتولّي والشيخ الضّبّاع وأجازه بها . وكان الشيخ سعيد يودّ أن يقرأ على شيخه الرّهاوي الأربعة الشّواذ لكن الظروف لم تتيسر له .
وبقي الشيخ سعيد في بيروت ثمانية وعشرين عاما أي من سنة 1947 م إلى 1975 م .
بعد ذلك رحل الشيخ إلى عمان ، ووظّف في وزارة الأوقاف مفتشا على دور القرآن الكريم بعمان ، وبعد ذلك انتقل إلى مدينة الزرقاء ، وعيّن إماما لمسجد عبد الله بن أم مكتوم في منطقة الرّصيفة من عام 1975 م إلى1997 م .
وبدأ الشيخ سعيد عمله في مسجده بإنشاء دار القرآن الكريم ، وبدأ يعلم القرآن ويحفظه لطلابه .
تلاميذ الشيخ سعيد :
أخذ القراءات والتجويد عنه خلق كثير من أبرزهم
الشيخ الدكتور حاتم بن عبد الرحيم بن جلال التميمي حيث قرأ عليه العشر الكبرى من طيبة النشر وأجازه بها في عام 1993م وهو الآن في الخليل يقرئ ويعلم القرآن.
خالد محمد دار حمد
مشهور العودات
محمد يوسف العمور
عبد الله الشمايلة
عبد الله أبو محفوظ
مشرف العدلان
محمد صالح عيسى الحياري
ومن الإناث
فاطمة الديسي
غادة محمد بنات
ضحى بكري علي
سامية فضل
رغداء بكور الياقتي
تقى حسن الرزوق
زينب القضاة
وغيرهم من التلاميذ الذين قرؤوا قراءات منفردة أو رواية واحدة وحفظوا القرآن عليه.
مؤلفاته:
كتب الشيخ منظومة تعرف باسم "حلية القراء في فن التجويد والأداء" شرحها أحد تلاميذه وهو محمود أحمد مروح وأسماها بزينة الأداء وهي مطبوعة بدار الفرقان في عمان.
قال الشيخ محمود أحمد مروح في زينة القراء ( ص15):
وقد رأيت الشيخ يقضي وقته ليلا نهارا في تعليم القرآن وتحفيظه رغم ما أصابه من المصائب التي تنوء بحملها الجبال فمع سوء حاله وقلة ماله وكثرة أمراضه وفقدان بصره لم نره قد كلّ أو ملّ بل رأيناه مثالا للصابر المحتسب وقد توالت الابتلاءات عند كبر سنه فبترت إحدى ساقيه وما لبث الشيخ يلتقط أنفاسه من هذه المصيبة حتى توفيت زوجته فكانت مصيبته بذلك أعظم إذ فقد من تعينه وتسقيه الدواء الكثير المتعدد ولكن من أشد بلوى من المؤمنين وبقي الشيخ يعلم القرآن وهو على هذه الحال حتى أتاه اليقين.
وفاته:
كانت في صباح يوم الخميس 29/ربيع الأول/1419-هـ الموافق23/71998م.
رحمه الله رحمة واسعة
قال أبو الحجاج : أخبرني شيخنا أبو صالح محمد بن صالح عيسى الحياري أن شيخه كان يحفظ أكثر من عشرة آلاف بيت من الشعر الذي ألف في علم القراءات.
وأخبرني غير واحد أن الشيخ سعيدا هو الذي أدخل علم القراءات إلى الأردن
رحم الله الشيخ رحمة واسعة وجمعنا وإياه في الفردوس الأعلى